الشيخ السبحاني

86

الحياة البرزخية في ضوء الكتاب والسنة والعقل الصريح

كيف ينتفع بعمل الغير الذي لم يسع فيه ؟ والجواب على هذه الشبهة من وجوه متعددة ، ولكنّنا نذكر قبل الجواب ما يفيد القارئ في المقام ، وهو : أنّه لو كان ظاهر الآية هو ما يرومه المستدل وهو : أنّ الغير لا ينتفع بعمل الغير ما لم يكن قد تسبب إليه في الحياة ، لعارَض هذا ظاهر الآيات الأُخر والروايات المتضافرة في ذلك المجال ، إذ لو كان كذلك فما معنى استغفار المؤمنين لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان ؟ وما معنى استغفار حملة العرش ومن حوله لأهل الإيمان ؟ وما معنى هذه الروايات الواردة في مجالات مختلفة ، الدالة على انتفاع الميت بعمل الغير ؟ كل ذلك يعرب عن أن للآية مفاداً آخر وهو غير ما يرومه المستدل ، وإليك تفسير الآية بالإمعان فيها ، وذلك بوجوه : الوجه الأول : إنّ سياق الآيات المحيطة بهذه الآية سياق ذمّ وتنديد ، وسياق إنذار وتهديد ، فإنّ اللَّه سبحانه يبدأ كلامه العزيز بقوله : « أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » ( النجم / 33 - / 42 ) . فإنّك ترى أنّ الآيات الحاضرة مثل سبيكة واحدة صيغت لغرض الإنذار والتهديد ، خصوصاً قوله : « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » فإنّ هذه الآية وقعت بين آيتين صريحتين في التهديد المتقدمة قوله : « أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » والمتأخّرة قوله : « وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى » ثم